عبد الوهاب الشعراني
580
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) [ ق : 4 ] وقال : بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ( 4 ) [ القيامة : 4 ] وقال قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] قال الشيخ أبو طاهر : وإنما بسطنا الكلام في هذه لكثرة ما يعتري النفوس التي غفلت عن ذكر ربها حتى طال عليها الأمد فقست قلوبها وجهلت أمور معادها حتى كأنها حوسبت وفرغت نسأل اللّه أن يحسن ظننا به عند الممات إنه كريم جواد آمين . انتهت عبارة الشيخ أبي طاهر القزويني في كتابه « سراج العقول » . وأما عبارة الشيخ محيي الدين في « الفتوحات » فهي قريبة من عبارة الشيخ أبي طاهر فإنه ذكر في الباب الثالث والستين ما نصه : اعلم أن الصور والناقور اللذين ذكرهما اللّه تعالى في القرآن هما واحد وهو الحضرة البرزخية التي تنتقل إليها بعد الموت وتشهد نفوسنا فيها قال : والصور جمع صورة بالصاد فينفخ في الصور وينقر في الناقور وهو بعينه وقد سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الصور ما هو قال : « قرن من نور ألقمه إسرافيل » فأخبره أن شكله شكل القرن فوصفه بالسعة والضيق فإن القرن واسع ضيق فهو في غاية الوسع لا شيء في الأكوان أوسع منه وذلك أنه يحكم بحقيقته على كل شيء على ما ليس بشيء ويصور العدم المحض والمحال والواجب والممكن ويجعل الوجود عدما والعدم وجودا وفيه يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : اعبد اللّه كأنك تراه ، وقوله : إن اللّه في قبلة أحدكم فلا يبصق تجاه وجهه » فأمر العبد أن يتخيل ربه في قبلته مواجها له ليراقبه ويستحي منه ويلزم الأدب معه في صلاته مع أنه تعالى لا يقبل من حيث ذاته الجهة أبدا ومن لم يتخيل هذا التخيل في صلاته فقد أساء الأدب فلو لا علم الشارع صلى اللّه عليه وسلم أن عند العبد حقيقة الخيال لها لهذا الحكم ما قال له اعبد اللّه كأنك تراه أي تبصره قال الشيخ : ومعلوم أن الدليل العقلي يمنع من كأن فإنه خيل بدليلة التشبيه وأما البصر فما أدرك شيئا سوى الجدار فعلمنا أن الشارع ما أراد انحصار الحق تعالى في جهة القبلة إنما العبد هو الذي يحصره لكونه ذا جهة ومعلوم أن الحق تعالى لا يحويه الجهات فقد صور الخيال من يستحيل عليه بالدليل العقلي الصورة والتصوير ولهذا كان الخيال أوسع الحضرات ، قال الشيخ : ولا يخفى أن سعة القرن إنما هي في الطرف الأعلى لا الأسفل خلاف ما يتخيله أهل النظر فإنهم جعلوا أضيق ما فيه المركز وأعلاه الفلك الأعلى الذي لا فلك فوقه وأن الصور يحوي صور العالم كلها فجعلوا الواسع هو